ولادة – عدة وريقات وجدت على مكتب شهيد !
الحلقة الأولى
(عدة وريقات وجدت على مكتب شهيد !)
ولادة
على باب غرفة الولادة كنت أنتظر بلهفة أختي آمنة التي ستلد طفلها الأول ..
الساعة الآن قاربت على الخامسة صباحاً، ونادى المؤذن النداء الأول لصلاة الفجر من يوم الجمعة، وبانتظاري لندائه الثاني شق صراخ الطفل أجواء المكان المظلم، تلك الصرخات التي امتزجت بشكل روحي مع النداء الثاني للصلاة وصوت المذيع ينبأ بأخبار صبرا وشاتيلا الجريمة الأخرى التي سطرها الصهاينة في سفر عذاباتنا وآهاتنا والتي سيرتبط ميلاد هذا الطفل بيوم 17/9/1982 أحد أيام المجزرة.
وكما كانت صرخات هذا الطفل تحتجزها جدران الغرفة والأبواب، كانت صرخات أخرى تكتمها الصواريخ والقذائف.
دخلت إلى آمنة لأطمئن عليها وأرى المولود الذي شق جدار الرحم ليخرج إلى هذه الدنيا وفي باله آلاف الأحلام والآمال.. كانت آمنة قد أنهكها التعب كما أنهكت هذه الأرض من الظلم وآلة التدمير فوقها.
حملت الطفل وأنا أصلي على نبينا محمد وأسألها ماذا سنسميه؟
قالت: سأسميه نضال! هكذا اتفقنا أنا وعمر عندما زرته آخرة مرة.
قلت في نفسي مسكين هذا الصغير سيحمل اسماً ينوء به كاهله، كما سينوء كاهله بما سيلقاه من مشقة وتعب وتاريخ ميلادٍ سيذكره دائماً بجراحه.
كنت أنظر إليه وفي قلبي الكثير لأبوح له، كنت سأقول أن الأمل معقود عليك وأن أبوك في السجن لأجلك وأن اسمك مطبوع بدماء الشهداء وزيت الزيتون، كنت سأقول .. وأقول .. وأقول، كنت سأقول أن شعبي ازداد واحداً وأن تاريخي سيسطر بحياة بطل آخر، لكن سرعان ما أفلتت مني هذه الحماسة عندما نادتني آمنة لأعطيها نضال، أعطيتها إياه، أخذت تحضنه على صدرها كما يحتضن شعبي المآسي، حضنته لتعيد إليه هدوءه وتقربه من موطنه في بطنها.
هي الأخرى دارت رحى المطالب والآمال في عقلها وأخذت تنظر إليه وتتأمل وجهه وتقول وجهه كوجه جدته، عيناه كعيني أبيه، رغم أن الجميع يعلم أنه لا تظهر عليه أية معالم، لكنها العادة والمحبة.
في اليوم التالي عدت لآخذها إلى بيتي حيث كنت أسكن بالقرب منها، فهي الوحيدة التي بقيت لي بعد موت إخوتي في حرب 67 على أسوار القدس الشريف، بعدها أصاب أبي حالة من الحزن الشديد سرعان ما أدت إلى أن يسلم الأمانة، تبعته بعدها أمي خلال أقل من سنة، لأبقى أنا وآمنة وحيدين في مهب ريح الأحزان والذكريات الوحشية والهمجية ولقب ومسمى طبع على جباهنا بالدم (لاجئ) اقترن به مسمى آخر هو أيضاً أخذ من حياتنا ما أخذ وصار ركيزة أساسية هو (المخيم).
أحضرت معي الكوفية لألف بها نضال وآية الكرسي محفورة على قطعة من ذهب كهدية مولده.
في طريق العودة إلى المخيم توقفنا أمام حاجز يهودي (محسوم) لتكون لنضال أول فرصة للتعرف على مغتصبي أرضه وساجني أبيه وقاتلي أخواله .. بعد انتظارنا فترة طويلة أمرنا الجندي المدجج بالسلاح بالتحرك والانصراف.. كان الشمس قد شارفت على الغروب حيث أخذت روائح الزيتون والأعناب تمتزج بالنسائم الخفيفة التي تطل علينا، لنقترب من المنفى داخل أرضنا لنقترب من “المخيم” .
“مخيم فلسطين” كان كغيره من المخيمات تتلاقفه رياح الغربة واللحمة في نفس الوقت، الغربة عن موطن وقرية كل شخص يسكنه، واللحمة والمودة بيننا في مجابهتنا مصاعب الهجرة واللجوء.
كان هذا المخيم هو الشخص الثاني الذي يقابله نضال ويتعرف عليه.
دخلنا المخيم، أجواء من الحزن كغمامة سوداء تخيم عليه، وكأن المخيم أصبح كظل أسود في لوحة الحياة إثر الأخبار التي تأتي من بيروت وما يجري بها.
كان الحزن يلف على بساط الريح ليطرق أبواب المخيم باباً باباً ويعطيه حصته من الحزن.
أخذ نضال بالبكاء وكأنه أحس بهذا الحزن وهذا الظلم الذي يكتنف المخيم.
دخلنا إلى البيت لتستقبلني زوجتي وأطفالي محمد وعيسى وهم يتلهفون لرؤية هذا الفرد الجديد الذي انضم إلى العائلة وأصبح أول قريب لهم، رغم صغر سنهم إلا أنهم أحسوا أن ملاكاً آخراً قد دخل للبيت سيأنس وحشتهم ويداعب شغفهم الطفولي.
أخذت آمنة ركناً بالبيت لترضع طفلها وتسقيه حليباً ممزوجاً بحنان الأم ودموع الزوجة ورائحة الأرض وزيت الزيتون لتغلغل عميقاُ في أوردته الصغيرة.
كنت أرى الابتسامة على وجهها تكاد تشرق كشمس صباح صيفي، كنت أرى لهفتها وهي تتحسس الأمومة شيئاً فشيئاً حتى أنها لم تسمعني عندما سألتها إن كانت تريد شيئاً فأنا سأذهب الآن.. ابتسمت وخرجت ولم تلتفت.
يا حبيبي يا نضال، ما أجملك، قالت آمنة، ستكبر يوماً وتصبح شيئاً عظيماً، لن أجعلك تبتعد عن ناظري، سيفرح عمر جداً عندما يعلم أنك أتيت لهذه الدنيا، وعندما سيخرج من السجن سيلاعبك وسيداعبك ويأخذك معه في نزهة بعد صلاة الجمعة، أبوك بطل يا نضال، ستفتخر به عندما تكبر، ستكون فخوراً جداً.
تخيلَتْه يجيبها ويقول: إني فخور بكما معاً يا أمي، ولكني مشتاق لأبي أين هو؟
سيأتي يا بني، ولا بد من أن هؤلاء اليهود سيخرجون يوماً، وسوف يذهبون عن أرضنا، لقد حبسوه لأنه قاومهم، لأن كرامته العربية لم ترضخ يوماً للمتعالي وللمتحاقر، لا تقلق سآخذك إليه.
محمد: أيمكنني يا عمتي أن ألاعبه؟
آمنة: لا … أنه صغير، ولكن انظر إليه وهو في يدي.
وأخذ يلاعبه كما كان يرى من هم أكبر منه سناً يلاعبون الصغار، رغم حداثة الخمس سنوات التي عاشها إلا أنه أحس بنفسه أكبر من هذا الطفل، وأن له الحق بأن يلاعبه كما يلاعب الكبار الصغار.
فاطمة (زوجة أخيها): تعالي هيا إلى الغداء، لا بد أنك جائعة
آمنة: ألن ننتظر أحمد؟!
فاطمة: لا … لقد قال لي أنه سيتأخر وأنه لا داعي لأن ننتظره
حملت آمنة طفلها بين ذراعيها والتصقت به وكأن الله أعطاها يداً ثالثة، وبدأت تأكل وهو بحجرها.
عند المساء:-
يدخل أحمد بيته البسيط من باب حديدي يطل على حوش صغير، مزروع في أطرافه بعض من شجر العنب وشجرة تين كبيرة كانت آمنه وفاطمة والأطفال يجلسون تحت أغصانها الحانية عليهم بعطف الأم.
أحمد: السلام عليكم
… وعليكم السلام …
أحمد: كيف حالك الآن؟ وكيف نضال؟
آمنة: الحمد لله
تسود دقائق من الصمت تقتحمها خرخشة أوراق التين تصطك ببعضها، وضحكات خفيفة تصدر بين الحين والآخر من محمد وعيسى وهم يلعبون مع بعضهم إلى أن تشق الآه من أحمد هذا الصمت لتسأله فاطمة، ما بالك؟ هل هناك شيء؟
أحمد: لا حول ولا قوة إلا بالله .. الأوضاع في بيروت غير مطمئنة وهناك مجازر تقع ولا أحد يتحرك
آمنة: هؤلاء اليهود الملاعين لا يشبعون ولا يهدؤون، الله يهدهم
أحمد: المشكلة أن المسألة هذه المرة صعبة جداً واليهود مصممون هذه المرة … كلما تنفس فلسطيني قليلاً يسارعون إلى خنقه والعرب لا يفعلون شيئاً سوى بعض التنديد وبعض الوعيد
آمنة: ماذا سنفعل هذا هو حالنا في هذه الدنيا، كل واحد يأخذ نصيبه، ماذا سنفعل؟ إرادة الله ستفعل ما تريد
أحمد: اذهبي يا فاطمة واحضري لنا البطيخ البارد، علها تطفئ ما بنا من حريق
آمنة: أحمد .. أريد أن تطلب لي تصريح لنذهب لنزور عمر
أحمد: أنت تعرفين أنه منذ خمسة أشهر أي منذ أن سجن وأنا أحاول أن آتي بتصريح ولكنهم يرفضون إذا لم يسمحوا لنا إلا بتلك الزيارة.
آمنة: الله يلعنهم .. ماذا يريدون أيضاً ألم يحبسوه، لا يريدوننا أن نزوره أيضاً.
أحمد: لا تقلقي تعرفين أن غداً عطلتهم، وبعد غد سأذهب وأحاول لعلهم يعطونني تصريح
أخذت أجول في تفكيري وأنا أتذكر تلك اللحظة عندما اعتقلوا عمر، كيف قاومهم ولكن ابرحوه ضرباً حتى أغمي عليه.
كانت تجول في فكري دائماً تصورات بأننا في يوم من الأيام سنتخلص من هؤلاء المجانين المغتصبين، وأننا سنعيش بسلام دونهم، لو أنهم عاشوا بيننا حنباً إلى جنب دون أن يفعلوا ما فعلوه لكانوا مرحب بهم، لو أنهم عاشوا بسلام ولم يحملوا السلاح ضدنا ولو أنهم لم يقتلوا ويشردوا وينهبوا … ولو … ولو، لكنهم يهود وقد فعلوا بأنبيائهم أشنع من هذه الأفعال، إنهم مجبولون على حب الشر والتصرف السيئ والخبث والمكر والدهاء.
كانت تداعبني مشاعر الفرح والبهجة والنشوة أيام حرب تشرين 1973 وكيف أن النصر كان حليف العرب، وكيف ظننا للحظة أن الأخت الكبرى “مصر” على أيام السادات ستحقق ما عجز عنه عبد الناصر، لكن سرعان ما أصابتنا الصدمة بوقف الحرب وتخلي مصر عنا وتسديد صدمة أكبر في الصميم عندما هرول السادات مسرعاً لاتفاقات كامب ديفيد وركض ركضاً إلى الكنيست الإسرائيلي، ليضمن حياد واعتراف الأخت الكبرى بالكيان الهجين.





November 24th, 2009 at 1:16 pm
مساء الخير ..
حلقة أولى موفقة و جميلة ..
اتمنى لك المزيد و التقدم بالفعل ..
رائع و اكثر
بانتظار الحلقة الثانية
November 24th, 2009 at 1:29 pm
شكراً فرح
هي التجربة الأولى لي من هذا النوع أتمنى أن تنال اعجابكم
وأتقبل النقد
قريباً جداً الحلقة الثانية
November 24th, 2009 at 3:40 pm
عنجد انها حلقه موفقه جدا
طريقه سرد الاحداث رائعه جدا موفق ..
November 24th, 2009 at 6:06 pm
رينا أشكرك على دعمك
أتمنى أن تتابعي بقية الحلقات