في المعتقل – عدة وريقات وجدت على مكتب شهيد!
الحلقة الثانية
(عدة وريقات وجدت على مكتب شهيد !)
في المعتقل
(بعد ثلاث سنوات)
غرفة كبيرة مظلمة نسبياً، في السقف مروحة حديدية تدور ببطء، اصطفت الأسِرّة المزدوجة تتكئ على جدران الزنزانة، وركن فيه أدوات المطبخ، بعض مصنوعات السجناء وضعت في ركن آخر، وصور معلقة هنا وهناك لعوائل المعتقلين والأسرى.
سأخرج خلال أسبوع، بعد ثلاث سنوات قضيتها في المعتقل، هذه المدة الظالمة ليست شيئاً بالمقارنة مع بعض المعتقلين الذين أمضوا في المعتقل أكثر مما عاشوا خارجه، تلك الثلاث سنوات قد عشتها كأنها ثلاثين وراء القضبان والجدران العالية والإهانة والتعذيب، ورغم ذلك فإنها جعلت مني رجلاً أكثر صلابة وحزم، وجعلتني مثقفاً وملماً بقضيتنا النبيلة، فكل واحد منا كانت له قصة مختلفة، أمضينا الليالي الحالكة نقص على بعضنا تلك الحكايا والقصص، كما تقص الأم قصصها لأطفالها لتساعدهم على النوم.
كم أنا مشتاق للحرية بقدر اشتياقي لزوجتي وابني الذي لم أره مطلقاً، حزينة هي تلك الليالي التي لم أره فيها يكبر أمامي ويحبو ويقف ويقع، لا بد من أنه بدأ الكلام وأصبح الجميع يضحكون من كلماته الطفولية، عندما أخرج سأعوض عليه كل تلك الأيام وأعوض على نفسي ما فقدته.
مسكينة آمنة على كل ما قاسته من وحدة وحزن، لكن ما كان يهون علي هو مدى المحبة التي كنا نلف بها بعضنا في السجن، فكلنا لنا نفس الهدف وكلنا جرحنا من نفس الخنجر. فيكفي أن تتأمل في لحظات الصمت التي كانت تلف زنزانتنا وما أكثرها وجه كل شخص لترى ابتسامات كاذبة تخفي وراءها بحراً من الدموع والأحزان، ترى مكابرة كل شخص يعود من التحقيق وآثار الإنهاك والتعب ترمي به في سريره إن لم يكن قد أغمي عليه أثناء التعذيب، تحاول الدمعة أن تهرب من مآقيها فيحبسها ويغطيها بإشاحة وجهه عنا.
أو عندما نرى غضب أحدهم وقد فقد السيطرة على نفسه يريد تحطيم القيود والقضبان ليخرج إلى حريته، أو عندما نرى مدى الخوف والحقد من جاسوس كنا نسميه “العصفور” مزروع بيننا ويخبر المحققين عن كل كلامنا وأفكارنا دون أن نستطيع ردعه أو لمسه، كانت كلها لحظات قد حفرت عميقاً في قلب وشخصية كل واحد منا.
هذا الأسبوع الذي بقي لي أشعر به وكأنه سنة، أحس بكل ثانية ودقيقة، الجميع مجتمعون حولي ليشبعوا مني قبل رحيلي، تغمرهم أحاسيس كثيرة فرحة وغبطة ممزوجة بحزن على الفراق وترجي بإيصال رسائلهم إلى الأهل والاطمئنان عليهم وطمأنتهم بأنهم بخير.
كنت أبادلهم أحاسيسهم الممزوجة تلك بفرح شديد لقرب خروجي وحزن عميق لفراق أخوة عشت معهم وجها بوجه وحزنا بحزن وفرحاً بآخر، ثلاث سنوات كانت كفيلة لأعي مدى مأساة شعبي، كفيلة لتغني خبرتي بمعادن الرجال وطرق التغلب على المصائب والأحزان وتنير لي درب الكفاح والنضال.
آه لقد اقترب الموعد أسبوع فقط .. كم أشتاق لرؤيتك يا بني .. رسمت في مخيلتي آلاف الصور لشكلك وآلافاً أخرى لمستقبلك .. ترى ماذا سأقول لك وماذا سأعلمك، ترى هل بقيت آمنة على الوعد وأسمتك نضال؟
لهفتي لرؤيتك تعادل لهفتي لخروجي من هذا المعتقل اللعين. كنت أسأل نفسي دائماً لماذا نحن؟ لماذا لا نعيش في سلام؟ أهو صعب لهذه الدرجة، لماذا يريدون منا ألا نقاوم؟ لماذا يكذبون ويختلقون تاريخاً لم يكن لهم أبداً؟ نحن شعب مضياف، لماذا استغلوا ضيافتنا بهذا الشكل؟ كيف يريدون أن نحبهم وهم ينتزعون الفرح من صدورنا؟ وكيف أصبحنا مستضعفين وفريسة سهلة لكل الأمم؟ أين إخواننا العرب؟ وماذا فعلوا لينقذونا؟ كنت أرى أن الدول العربية أجرمت بحق شعبنا ما يعادل ما أجرمت به شرذمة من أمم العالم، إذا كانت مأساة يهود العالم أوروبا والدول الغربية فلماذا ندفع نحن الثمن؟ ولماذا نكون نحن الضحية والقربان ليصلح العالم أخطاءه مع اليهود؟ تساؤلات كثيرة جعلتني أكره اليهود كشعب وديانة، مع أنني كنت أظن أن من حق الجميع أن يعيش بسلام فلماذا نكون نحن الضحية ليعيش غيرنا بسلام؟ وإن كرهت كل الأمم أفعال اليهود فلماذا يثبتون حقهم عندنا، ويصرون على أننا نحن المذنبون وأن لهم حقاً تاريخياً بأن تكون هذه الأرض أرضهم؟
كانت تلمح في الأفق إجابة واحدة هي أن القوي يفرض على الضعيف كل ما يريد، إذن فالأمر ليس من له الحق وإنما الضعيف يجب أن يرضخ لإملاءات القوي.
بدأت الذكريات تظهر أمام أعيني .. لحظات مريرة عشتها هنا في المعتقل، ما زلت أذكر أول خبرة لي بغرف التحقيق والزنزانات الانفرادية وكأنها ماثلة أمامي، فقد اقتادوني يومها معصوب العينين وأنا انزل طابقين أو أكثر، كان الهدوء مزعجاً تتخلله ضربات أقدامنا على الدرجات كأنها ضرب طبول جراء الصمت المطبق وتعطيل حاسة النظر مما يجعلك تسمع بوضوح أكثر أي همسة تصدر، بعد أن سرنا قليلاً في ممر مستقيم دخلنا غرفة، ووضعوني على كرسي وأنا مقيد اليدين معصوب العينين، كنت أسمع صوت مروحة تدور ببطء فوق رأسي وكأنها تنذر بأمر مرعب قد يحدث. بعد مرور مدة طويلة دخل علي محقق يجيد اللغة العربية وفك العصبة عن عيني.
كانت غرفة صغيرة مظلمة وضع فيها مكتب صغير بضوء مكتبي خافت.
أخذ المحقق يسألني أسئلة عن اسمي ومكان إقامتي ومن أي قرية بالأصل أنا، فجأة أضاء الغرفة كلها، كان ضابطاً متوسط العمر اختلط الشيب في رأسه مع السواد وتعابير وجه حادة. وراء المكتب كانت صورة كبيرة لهرتزل أمعنت النظر فيها قليلاً فقال المحقق أتعجبك الصورة؟ بقيت صامتاً
ثم قال لي بطريقة ساخرة: أتعرفه؟
فقلت له: هذا هرتزل، أليس كذلك
فنظر متعجباً وقال: ما رأيك به؟
فأجبته: هو شخص ذكي، استطاع أن يستغل أحلام اليهود ومطامعهم لخدمة أهدافه الشخصية
فما كان منه إلا أن قام ولطمني بقبضته على وجهي، وقال: هذا محررنا ومن كتبت لنا العودة على يديه. صمت قليلا وعاد لي وقال: أنا آسف .. لا تجعلني أضربك مرة أخرى. أطفأ الضوء مرة ثانية وبقي الضوء الصغير الخافت على المكتب الذي توجه وجلس وراءه. وأخذ يسألني إن كنت أنتمي لأي فصيل فلسطيني؟ وكنت أجيب على أكثر أسئلته بـ (لا)، مما كان يثير استياءه ويضرب على الطاولة، ثم ما يلبث أن يعود لصمته مدة أطول هذه المرة ثم يعود ليضيء الضوء ويدور حولي ويقذف علي سيلاً من الأسئلة والشتائم، وكان بعد كل مجموعة من الأسئلة يعيد علي سؤال إن كنت أنتمي لفصيل فلسطيني. كان يقول لي أنا أحب العرب فساعدني لأساعدك وإلا سأجعل المحقق حائيل يتولى المهمة، وهو شخص قاسٍ لا يحب العرب ولذلك سوف يعذبك كثيراً، ولكن عدم اكتراثي جعل منه يخرج من الغرفة بعد أن أطفأ الضوء ليدخل شخص آخر آخذاً بضربي بشدة وعنف وشتمي بالعربية والعبرية قائلاً أنتم العرب لا تأتون إلا هكذا، حتى أزاحه عني المحقق السابق بعد أن أضيئت الغرفة وأخذ يهمس في أذني :هذا هو المحقق حائيل ما رأيك؟ أنا أريد أن أساعدك قل أنك ستتعاون معي ولن أجعله يحقق معك، فبقيت صامتاً، ثم عاد المحقق حائيل ليصفعني بسيل من اللكمات والشتائم، ليعود مرة أخرى المحقق السابق يطلب مني أن أتعاون معه ولكن بقيت صامتاً، فما كان منه إلا أن خرج وبقيت مع هذا المحقق حائيل، وتابع الأسئلة المعهودة وعندما كنت أصمت أو أرد برد لا يعجبه كان ينهال علي ضرباً، ثم تركني لمدة طويلة جداً كان لا يسليني فيها غير صوت عقارب الساعة وصوت الشفرات الحديدية للمروحة. ثم جاء حارس من الخارج وعصب عيني مرة أخرى، وقادني في دهاليز تشبه المتاهة. كنت أسمع في نهاية كل طريق أنات تصدر من بعض المعتقلين، وضربات على أبواب حديدية فأيقنت أنني سأزور الزنازين الانفرادية التي كنا نسمع عنها في الأساطير فقط، ثم ما لبث أن توقفنا وسمعت خرخشة المفاتيح، فتح أحد الأبواب وأزال الحارس عصبة العين ودفع بي إلى داخل الزنزانة، وهي بمترٍ ونصف طول ومترٍ عرض أخذ منها موضع الحمام نصف متر، فلم يبق لي غير متر لأجلس فيه وبقربي الحمام وصابونة قديمة عفنة وضعت بالقرب منه وفي الأعلى مروحة صغيرة لشفط الهواء لتدفع به إلى زنزانة أخرى.
حضرتني أبيات شعر لمحمود درويش كان لا بد لي أن أرددها وأنا أعلم أن هذا ما هو إلا استقبال بسيط وأن القادم أعظم، فأخذت أردد:
يا دامي العينين والكفين!
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية
ولا زرد السلاسل
نيرون مات
ولم تمت روما
بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تجف
ستملأ الوادي سنابل
كانت هذه التجربة كغيرها، وما تبعها من أنواع العذاب والامتهان والتحقير للكرامة الإنسانية هي الخطوات الصغيرة التي كانت ترصف جدران قلبي بالحقد والكراهية لأعدائي، كانوا يستخدمون في تحقيرنا كل أصناف العذاب التي وجدت على الأرض من الضرب المبرح والتعذيب بشتى وسائله إلى إفلات الكلاب المدربة علينا ونحن مقيدين ومعصوبي الأعين. كل هذا كي يثبتوا لأنفسهم حقاً تاريخياً وينفوه عنا ويثبتوا أنهم الشعب المختار.
بعد عدة محاولات مثل هذه وحوارات وتحقيقات يأسوا مني وفشلوا في انتزاع أي شيء مني فحولوني إلى محكمة عسكرية كل شيء فيها كان معدّاً مسبقاً حتى قرار الحكم . حكموا علي بثلاث سنوات وها هي الآن قد انقضت ولم يبقَ منها إلا أسبوع.
تلك اللحظات ستحفر عميقاً في ذاكرتي مثلما ستحفر أيام الإضرابات التي كنا نقوم بها، وبعض القصص البطولية لأسرى قي تحديهم لقضبان الزنازين وسجّانيهم.



