ليتهم عادوا!!
رحلوا عنها ذات فراق … ذات ليلة لم يودعوا فيها شجراً ولا حجر …كما لم يودعوا أحدا من البشر ….
التفتوا إليها في لحظة الانفصال تلك قبل أن تتبرأ آخر خطواتهم من أرضها …كانت أعينهم تمتلئ دمعاً … أكانوا يعلمون أنها المرة الأخيرة، فراحوا يشبعون أعينهم من زواياها وثناياها …!!!
أم أنهم علموا في تلك الأثناء أنهم يوم قرروا الرحيل عنها قررت هي أيضا الانفصال عنهم إلى الأبد …
اجتازوا البحر والبر في كل الاتجاهات فاستقبلهم صقيع الغربة القاسي .. صقيع تحول إلى ثلج يوماً بعد يوم .. وما لبث أن تحول إلى كرة ثلج تكبر وتتعملق حتى باتت تفصل بينهم وبينها.. مرت السنة والسنتين والأربعة وتوالت السنون … وذكرياتها لم تفارقهم يوما …بل لم يفارقوها لا في صحوهم ولا في غيره.
لكن لماذا لم يعودوا ؟!!
مازالت مناظرها تستوطن ذاكرتهم … مرتع طفولتهم وعدوهم في سهولها وضحكاتهم وبكائهم .. بكوها بحرقة في ليالي الغربة القاسية … بكوا كل تغريدة عصفور وكل انحناءة غصن وكل هبة ريح …
لكن لماذا لم يعودوا؟!!
بياض الشيب اجتاح رؤوسهم وهجر الشباب أعضاءهم، وتضاعف خفق حنينها فيهم وتيقنوا أنهم لم ولن يحبوا غيرها يوما .. وأنها لم تغادرهم لحظة ..وأن كل حب حملوه لأي مدينة أخرى كان مجرد صدى لحبها المتعاظم فيهم …
جاءت ساعة مغادرتهم الحياة وتجلت أمامهم بالصورة التي فارقوها كأن تلك الدقائق تتكرر للتو …
تذكروا كل شيء كل حي كل جماد … بكوا كل شيء، بكوها وبكوا أيامها الخوالي .. تمنوا حينها لو أن يدا تمتد إليهم تحملهم من زيف مدنهم وتنكر غربتهم إلى صدق حبها
غادرتهم أرواحهم وظلت بقايا دمعة أبت إلا أن تنسل في صمت أجسادهم المتعبة الهامدة …
ماتوا بعيدا عنها .. ولم يعودوا !!
فكأنهم يوم قرروا الارتحال عنها .. قررت هي الانفصال عنهم إلى الأبد..



